ضفاف
نصر الدين بخيت العقابي
حرب على الحياة… من يُطفئ النور في وطنٍ يقاوم؟
(5000) محول مُدمَّر…اكثر من (400) مركبة منهوبة… وكوابل تُحرق من أجل النحاس… لكن السودان يُشعل الضوء من جديد
ليست الكهرباء في معناها العميق خدمةً عادية تُقدَّم، ولا تياراً يسري في الأسلاك فحسب، بل هي تجلٍ حيٌّ للحياة نفسها؛ فإذا انطفأت، انطفأت معها ملامح المدن، وتراجعت تفاصيل الإنسان إلى حافة القلق. ولذلك، حين تُستهدف الكهرباء، فإن الاستهداف لا يطال البنية التحتية وحدها، بل يصيب جوهر الوجود الإنساني.
ما جرى لم يكن حادثةً طارئة، ولا فعلاً فوضوياً بلا ملامح، بل كان سلوكاً يحمل بصمات القصد، ويتكئ على رؤيةٍ معتمة ترى في الظلام وسيلةً للهيمنة، وفي تعطيل المرافق طريقاً لإرباك الدولة.
أن تُدمر آلاف المحولات، وتُنهب مئات المركبات، وتُحرق الكوابل سعياً وراء النحاس، فذلك مشهد لا يُقرأ إلا بوصفه حرباً مكتملة الأركان على الحياة نفسها.
لكن، وفي قلب هذا السواد، تشرق الحكاية الأخرى… الحكاية التي تُكتب بالفعل لا بالضجيج.
هناك، في مساحات الخطر، حيث يغيب الضوء وتعلو المخاطر، يقف رجالٌ بملامح التعب وعزيمةٍ لا تلين. مهندسون، وفنيون، وعمال، وإداريون، يحملون مسؤولية إعادة الروح إلى وطنٍ أنهكته الضربات.
يمدون الأسلاك كأنهم يحيكون شرياناً لوطنٍ ينزف، ويعيدون تشغيل المحطات كأنهم يعيدون نبضاً توقف لبرهة.
لم تكن عودة التيار إلى الخرطوم إنجازاً فنياً فحسب، بل كانت لحظةً رمزية تعلن أن هذا الوطن لا ينكسر.
كل محطةٍ عادت للخدمة كانت شهادةً على انتصار الإرادة، وكل خط نقلٍ أُعيد ربطه كان إعلاناً بأن العمل الصادق قادر على هزيمة الخراب.
ولم تأتِ هذه الملحمة من فراغ، بل كانت ثمرة تضافرٍ مؤسسي واضح؛ من شركة كهرباء السودان وشركاتها، إلى وزارة الطاقة التي حملت الملف بثقل المسؤولية، إلى وزارة المالية التي سعت لتأمين الموارد رغم ضيق الحال، وصولاً إلى مجلس الوزراء ومجلس السيادة حيث تتجلى الإرادة السياسية في دعم هذا القطاع الحيوي.
ذلك التلاقي لم يكن تفصيلاً، بل كان حجر الزاوية في معركة إعادة الإعمار.
غير أن أكثر ما يمنح هذه القصة عمقها الإنساني، هو الثمن الذي دُفع.
شهداء سقطوا وهم يؤدون واجبهم، لم يحملوا سلاحاً، بل أدوات صيانة، لكنهم كانوا في مواجهة خطرٍ حقيقي.
رحلوا، لكنهم تركوا نوراً باقياً، لأنهم كانوا جزءاً من معركة استعادة الحياة.
وهنا ينهض السؤال بثقله:
هل أدركنا قيمة هؤلاء؟
هل أنصفناهم تقديراً ومكانةً، وهم الذين أعادوا إلينا تفاصيل يومنا التي كادت تضيع؟
إن العاملين في قطاع الكهرباء ليسوا موظفين عاديين، بل هم عمادٌ صامتٌ لدولةٍ تقاوم.
ورغم ما يقدمونه، لا تزال أوضاعهم المعيشية دون مستوى ما يستحقونه، وهي مفارقة تتطلب معالجة عادلة تحفظ لهذه الكوادر كرامتها، وتصون لهذا القطاع استمراريته.
وفي الأفق، تلوح ملامح أملٍ واسع؛ فالسودان يمتلك من الموارد ما يؤهله لنهضةٍ حقيقية في مجال الطاقة المتجددة، من شمسٍ لا تغيب، ورياحٍ تحمل إمكانات المستقبل.
وما يجري من جهود في هذا الاتجاه يمكن أن يتحول إلى نقطة تحول كبرى، إذا ما أُحسن استثماره برؤية استراتيجية واعية.
ما بين التدمير وإعادة الإعمار، تتشكل الحكاية الكبرى لهذا الوطن…
حكاية تقول إن الخراب، مهما اشتد، لا يستطيع أن ينتصر أمام إرادةٍ تعرف كيف تبني.
فالتحية لكل عاملٍ، ومهندسٍ، وفني، وإداري، أعاد النور بصمتٍ يليق بالعظماء.
والتقدير لكل مؤسسةٍ دعمت، ولكل قرارٍ ساند، ولكل جهدٍ وُضع في موضعه الصحيح.
لأن الحقيقة التي لا تقبل التأويل…
أن من يسعى لإطفاء النور،
سيجد دائماً من يعيد إشعاله.



