ضفاف نصر الدين بخيت العقابي مروي بلا أجانب… وسواعد سودانية تُشعل الضوء بثقة القيادة

ضفاف

نصر الدين بخيت العقابي

مروي بلا أجانب… وسواعد سودانية تُشعل الضوء بثقة القيادة

ليست الحكاية هنا محطة كهرباء تتعرض للاستهداف، ولا أرقام تُسرد عن محولاتٍ احترقت وخطوطٍ خرجت عن الخدمة… الحكاية أعمق من ذلك بكثير. إنها قصة وطنٍ يُمتحن في أعصابه، في شرايينه التي تنقل الضوء إلى بيوته، وفي قدرته على أن يبقى واقفًا رغم كل محاولات الإطفاء.
في مروي، حيث يقف السد كجسدٍ ضخمٍ يحمل ذاكرة التنمية وأحلام الاستقرار، لم تكن الضربات التي تلقاها حادثة طارئة، بل كانت محاولة لقطع النبض ذاته… أن تُطفأ المدن، أن تتراجع الحياة خطوة إلى الخلف، وأن يدخل الناس في تفاوضٍ يومي مع الظلام.
لكن وسط هذا المشهد القاسي، تبرز حقيقة يجب أن تُقال بوضوح:
لا وجود لأي خبراء صينيين داخل محطة توليد مروي، وكل أعمال التشغيل والصيانة تتم بأيدٍ سودانية خالصة.
هذه ليست رواية لتصحيح شائعة، بل مفتاح لفهم ما يحدث هناك.
فما يجري في مروي اليوم ليس إدارة أزمة فحسب، بل كتابة تجربة كاملة عنوانها: الثقة في الإنسان السوداني.
هناك، في قلب المحطة، لا تجد إلا مهندسين وفنيين وعمالًا وإداريين سودانيين يقفون في الصف الأول، يتعاملون مع أعقد الأعطال، ويعيدون تشغيل ما تعطّل، ويبتكرون حلولًا في ظروفٍ تكاد تكون مستحيلة. لم ينتظروا خبراء من الخارج، ولم يراهنوا على حلول جاهزة، بل راهنوا على ما يملكونه… العلم، والتجربة، والإرادة.
وهنا تتجلى قيمة القرار الذي اتخذته الإدارة العليا.
لم تكن الثقة التي منحتها لكوادرها قرارًا إداريًا عاديًا، بل كانت رؤية بعيدة المدى. حين دفعت بالمهندسين والفنيين والعمال والإداريين إلى الواجهة، ومنحتهم المساحة والمسؤولية، كانت تعلم أن الأزمات لا تُدار بالخوف، بل بالإيمان بالقدرات.
وتعزز هذا التوجه بقرار استراتيجي مهم، حين تم تأهيل الكوادر الوطنية على تقنيات الكوابل ذات الجهد العالي (500 كيلوفولت)، وإيفاد فرق هندسية للتدريب المتخصص. اليوم، لم يعد ذلك القرار خطوة إدارية فحسب، بل أصبح أحد أعمدة الصمود الفني، إذ يعتمد السودان على تلك الكفاءات في التعامل مع أكثر أجزاء الشبكة تعقيدًا وحساسية.
هذه الثقة لم تبقَ كلمات، بل تحولت إلى نتائج.
نتائج ظهرت في صيانات معقدة أُنجزت بإمكانيات محدودة، وفي حلول مبتكرة أعادت التوازن لشبكةٍ تعرضت لضربات قاسية. لم يكن الأمر إصلاح أعطال فقط، بل إعادة بناء للثقة نفسها… ثقة الناس في أن هناك من يحرس النور.
الدمار الذي أصاب البنية التحتية لم يكن حادثة طارئة، بل محاولة لإدخال البلاد في ظلامٍ طويل. ومع كل محولٍ يخرج عن الخدمة، وكل مفاعلٍ يتعطل، كانت التحديات تتضاعف. لكن في المقابل، كان هناك رجال يضاعفون الجهد، ويعيدون ترتيب الفوضى بصمتٍ لا يعرف الاستسلام.
أما العاملون في قطاع الكهرباء، وفي قلبهم كوادر محطة مروي من مهندسين وفنيين وعمال وإداريين، فهم اليوم أكثر من مجرد مهنيين. إنهم عنوان مرحلة، وصورة مكثفة لوطنٍ يقاوم. يعملون بلا احتياطات كافية، بلا دعم خارجي، لكن بإرادةٍ تكفي لتشغيل وطن.
وجوههم قد لا تُعرف، لكن أثرهم يُرى في كل بيتٍ عاد إليه النور.
أيديهم المتعبة تُخفي خلفها إنجازاتٍ كبيرة، وعقولهم التي واجهت التعقيد صنعت من الواقع الصعب فرصةً للإبداع.
إنهم ليسوا بديلًا لأحد… بل هم الأصل.
وما يُنجز اليوم في مروي هو الدليل الأوضح على أن الكفاءة الوطنية، حين تُمنح الثقة، قادرة على أن تقف في مستوى أي خبرة في العالم.
في مروي، لا أجانب يديرون المشهد، ولا حلول مستوردة تُنقذ الموقف.
هناك فقط… سودانيون يصنعون الضوء، ويحرسون ما تبقى من نبض الوطن.
وفي زمنٍ تختلط فيه الشائعات بالحقائق، تبقى هذه الحقيقة أكثر ثباتًا:
أن هذا البلد، مهما اشتدت عليه العواصف، قادرٌ بأبنائه أن يُبقي النور حيًا… وأن يحوّل المحنة إلى شهادة جديدة على قدرته في الصمود، والوقوف، والانتصار بصمت.

شــاركـ علـــى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top