عبق الحروف
بدرالدين عبدالقادر
المكتبة الوطنية :عام طوى صفحته… والمعرفة تفتح كتاب الغد
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس قيمة الأحداث بضجيجها فحسب ، بل بعمق دلالاتها وأثرها البعيد. ومن هذا المنطلق، جاء التوقيع على مذكرة التفاهم بين مكتبة بورتسودان العامة والمكتبة الوطنية السودانية، في الأسبوع الماضي من خواتيم العام 2025م، حدثاً ثقافياً لافتاً، حمل أكثر من رسالة، واختصر كثيراً من المعاني.
ولم يكن التوقيع إجراءً إدارياً عابراً أو فعلاً بروتوكولياً، بل خطوة واعية تؤكد أن المعرفة ما زالت تجد من يحرسها، وأن المكتبات، رغم ما يحيط بها من تحديات، قادرة على أن تتجدد وتعيد تعريف أدوارها في المجتمع. فقد وقّع عن مكتبة بورتسودان العامة الأستاذ معتصم عبد القادر القاضي مدير المكتبة، فيما وقّعت عن المكتبة الوطنية السودانية الدكتورة آمال عثمان الحسين الأمين العام، في مشهد يعكس جدية التوجه نحو شراكات مؤسسية فاعلة.
إن الشراكة بين مؤسسة قومية بحجم المكتبة الوطنية السودانية، ومكتبة ولائية ذات حضور مجتمعي مؤثر كمكتبة بورتسودان العامة، تعكس فهماً متقدماً لمعنى التكامل المؤسسي، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن النهضة الثقافية لا تُبنى من المركز وحده، بل بتضافر الجهود من الأطراف إلى القلب، ومن المحلي إلى القومي.
وتزداد رمزية هذه الخطوة حين توضع في سياقها الزمني؛ فقد جاءت في خواتيم عامٍ مثقل بالأحداث والتحديات، لتكون بمثابة «مسك الختام»، وإشارة ذكية إلى أن الرهان على الكتاب والمعرفة لا يزال قائماً، وأن الثقافة قادرة على فتح نوافذ الأمل حتى في أكثر اللحظات تعقيداً.
الأهداف المعلنة للمذكرة، من تبادل للمصادر المعرفية، وتنفيذ برامج تدريبية مشتركة، وتنظيم فعاليات ثقافية وعلمية، وتطوير للخدمات المكتبية، ليست عناوين إنشائية، بل التزام مهني وأخلاقي يتطلب الانتقال من حبر التوقيع إلى فعل التنفيذ، ومن الوثيقة إلى الأثر الملموس الذي يلمسه القارئ والباحث والطالب.
ختاماً، فإن توقيع هذه المذكرة في الأسبوع الأخير من العام 2025م، بأقلام الأستاذ معتصم عبد القادر القاضي والدكتورة آمال عثمان الحسين، لم يكن مصادفة زمنية، بل دلالة عميقة على أن المعرفة كانت حاضرة في وداع العام، وأن السودان، رغم العواصف، ما زال يملك القدرة على أن يستقبل أعوامه الجديدة بالكتاب والمعرفة … وبمكتبات تؤمن بأن المستقبل يُكتب بالوعي قبل أي شيء آخر.



